الحدود الآمنة تتغير … فهل أنظمة سلامة الغذاء تستوعب هذا التغيير ؟
في خطوة تعكس التطور المستمر في علوم تقييم المخاطر وسلامة الغذاء، أصدرت الهيئة الأوروبية لسلامة الغذاء (EFSA) رأيًا علميًا جديدًا يؤكد أن التعرض الغذائي للدايوكسينات ومركبات ثنائي الفينيل متعدد الكلور الشبيهة بالدايوكسين (Dioxin-like PCBs) لا يزال يمثل مصدر قلق صحي للسكان في أوروبا.
ويأتي هذا التحديث بعد مراجعة منظمة الصحة العالمية (WHO) لعوامل التكافؤ السمي (TEFs) عام 2022، وهي الأداة العلمية المستخدمة لتقييم السمية الكلية لهذه الملوثات الكيميائية الخطيرة.
ما هي الدايوكسينات ومركبات PCB الشبيهة بالدايوكسين؟
الدايوكسينات (Dioxins) ومركبات PCB الشبيهة بالدايوكسين هي ملوثات كيميائية بيئية مستدامة (Persistent Environmental Contaminants)، أي أنها لا تتحلل بسهولة في البيئة وتستمر لفترات طويلة قد تمتد لسنوات.
وتنتج هذه المركبات عادة كمنتجات جانبية لبعض العمليات الصناعية مثل حرق النفايات، وتبييض الورق، وبعض عمليات تصنيع المبيدات والمواد الكيميائية.
وتكمن خطورتها في أنها مواد محبة للدهون (Lipophilic)، لذلك تتراكم داخل الأنسجة الدهنية للحيوانات بدلًا من بقائها في المياه أو النباتات. ولهذا السبب تُعد اللحوم والأسماك والحليب ومنتجات الألبان من أهم مصادر التعرض الغذائي لهذه الملوثات.
وعند استهلاك الإنسان لهذه الأغذية بشكل مستمر، يمكن أن تتراكم الدايوكسينات داخل الجسم على مدار السنوات، مما قد يؤدي إلى تأثيرات صحية خطيرة تشمل زيادة خطر الإصابة ببعض أنواع السرطان، واضطرابات الجهاز العصبي، والتأثير على المناعة والقدرة الإنجابية.
كيف يتم قياس سُمية هذه الملوثات؟
لا تتكون الدايوكسينات من مركب واحد فقط، بل من مجموعة كبيرة من المركبات تختلف في درجة سُميتها. لذلك يستخدم العلماء نظامًا يُعرف باسم عوامل التكافؤ السمي (Toxicity Equivalency Factors - TEFs).
ويعتمد هذا النظام على اعتبار أخطر مركب في هذه المجموعة، وهو مركب 2,3,7,8-TCDD، معيارًا مرجعيًا تُعطى له قيمة سُمية تساوي 1.
أما المركبات الأخرى فتُعطى قيمًا أقل حسب درجة خطورتها مقارنة بالمركب المرجعي. وعند تحليل الأغذية يتم ضرب تركيز كل مركب في عامل التكافؤ السمي الخاص به، ثم تُجمع النتائج للحصول على السمية الكلية الفعلية للخليط الكيميائي.
وقد اعتمدت EFSA في تقييمها الجديد عوامل التكافؤ السمي المحدثة التي أصدرتها منظمة الصحة العالمية عام 2022، وهو ما أدى إلى إعادة حساب المخاطر الصحية المرتبطة بالتعرض لهذه الملوثات.
خفض الحد الآمن للتعرض الغذائي
بناءً على البيانات العلمية الجديدة، حددت الهيئة الأوروبية لسلامة الغذاء قيمة جديدة لما يُعرف بالمأخوذ الأسبوعي المقبول (Tolerable Weekly Intake - TWI).
ويقصد بالمأخوذ الأسبوعي المقبول كمية المادة الملوثة التي يمكن أن يتعرض لها الإنسان أسبوعيًا طوال حياته دون توقع حدوث آثار صحية ضارة.
وقد خفضت EFSA هذا الحد إلى:
0.6 بيكوغرام لكل كيلوجرام من وزن الجسم أسبوعيًا
ويُعد هذا الرقم أقل بثلاث مرات من الحد الذي تم اعتماده في تقييم عام 2018.
ولفهم مدى ضآلة هذه الكمية، فإن البيكوغرام يمثل جزءًا من مليون مليون جزء من الجرام، ما يعكس الحساسية الشديدة لهذه المواد وقدرتها على إحداث تأثيرات صحية حتى عند التركيزات المتناهية الصغر.
ويستند هذا الحد الجديد إلى أدلة علمية تشير إلى تأثيرات محتملة على التطور الطبيعي للجهاز التناسلي الذكري، مع دعم النتائج من الدراسات الحيوانية والبيانات البشرية.
ماذا كشفت نتائج التقييم الجديد؟
أظهرت نتائج الدراسة أن التعرض الغذائي الحالي للدايوكسينات ومركبات PCB الشبيهة بالدايوكسين لدى السكان الأوروبيين يتجاوز الحد الأسبوعي المقبول الجديد في جميع الفئات العمرية.
وكانت أعلى معدلات التجاوز بين:
- الأطفال الصغار.
- الأطفال.
- بعض الفئات الحساسة من السكان.
كما أشارت الهيئة إلى وجود مخاوف خاصة تتعلق بالنساء في سن الإنجاب، نظرًا لاحتمال انتقال هذه الملوثات إلى الجنين أثناء الحمل وتأثيرها على الذكور في المراحل المبكرة من النمو.
كيف يدرس العلماء انتقال هذه الملوثات داخل الجسم؟
اعتمدت الهيئة الأوروبية في تقييمها على نماذج الحركية السمية (Toxicokinetic Models)، وهي نماذج علمية تدرس رحلة المادة الكيميائية داخل جسم الإنسان منذ لحظة دخولها وحتى التخلص منها.
وتساعد هذه النماذج في الإجابة عن أسئلة مهمة مثل:
- ما نسبة المادة التي يمتصها الجسم؟
- أين يتم تخزينها؟
- كم من الوقت تبقى داخل الجسم؟
- كيف يتم التخلص منها؟
كما تُستخدم هذه النماذج لتقدير انتقال الملوثات عبر السلسلة الغذائية، فعلى سبيل المثال يمكن حساب كمية الدايوكسينات التي قد تنتقل من الأعلاف الملوثة إلى الحليب أو اللحوم التي تصل في النهاية إلى المستهلك.
توصيات EFSA المستقبلية
أوصت الهيئة الأوروبية بمجموعة من الإجراءات لتحسين تقييم المخاطر مستقبلاً، وتشمل:
- تطوير عوامل تكافؤ سمي أكثر ارتباطًا بالتأثيرات الفعلية على الإنسان.
- تحسين نماذج الحركية السمية المستخدمة في الدراسات.
- جمع المزيد من البيانات حول مستويات التلوث في الأغذية النباتية.
- توسيع برامج الرصد الخاصة بحليب الأم والدم البشري في مختلف الدول الأوروبية.
من المسؤول عن اتخاذ القرارات التنظيمية؟
من المهم التفرقة بين تقييم المخاطر وإدارة المخاطر.
فالهيئة الأوروبية لسلامة الغذاء (EFSA) تقوم بدور علمي يتمثل في دراسة المخاطر وتقييمها وتقديم التوصيات المبنية على الأدلة العلمية.
أما اتخاذ القرارات التنظيمية فيقع على عاتق جهات إدارة المخاطر (Risk Managers)، وهي الجهات المسؤولة عن إصدار التشريعات وتحديد الحدود القصوى للملوثات واتخاذ الإجراءات الرقابية.
ومن أبرز هذه الجهات:
- المفوضية الأوروبية (European Commission).
- السلطات الرقابية في الدول الأعضاء.
- الهيئات الوطنية لسلامة الغذاء مثل الهيئة القومية لسلامة الغذاء المصرية (NFSA).
ماذا عن الوضع في مصر والدول العربية؟
حتى الآن لا توجد حدود وطنية مستقلة ومعلنة للمأخوذ الأسبوعي المقبول (TWI) للدايوكسينات ومركبات PCB الشبيهة بالدايوكسين تختلف بشكل واضح عن المرجعيات العلمية الدولية. لذلك تعتمد العديد من الجهات الرقابية والباحثين في المنطقة على التقييمات والمراجع الصادرة عن الهيئات الدولية المتخصصة مثل الهيئة الأوروبية لسلامة الغذاء (EFSA) ومنظمة الصحة العالمية (WHO) عند دراسة المخاطر المرتبطة بهذه الملوثات.
ورغم أن التقييم الأخير صادر عن الاتحاد الأوروبي، فإن نتائجه تهم قطاع الغذاء في الشرق الأوسط بشكل مباشر، خاصة مع تزايد حركة التجارة الدولية واعتماد العديد من الدول العربية على تصدير المنتجات الغذائية للأسواق العالمية.
كما أن أي تعديل في الحدود الصحية أو التشريعية الخاصة بالملوثات الكيميائية داخل الأسواق الكبرى مثل الاتحاد الأوروبي قد ينعكس مستقبلاً على متطلبات التصدير والرقابة والتحاليل المطلوبة للمنتجات الغذائية القادمة من المنطقة العربية.
لماذا يجب أن يهتم المصنعون في مصر والوطن العربي بهذا التقييم؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن هذا التقييم يخص المستهلك الأوروبي فقط، لكن الحقيقة أن تأثيره يمتد إلى كل مصنع وشركة أغذية تسعى للحفاظ على قدرتها التنافسية في الأسواق المحلية والعالمية.
فأي تشديد في الحدود الصحية الخاصة بالدايوكسينات أو غيرها من الملوثات الكيميائية داخل الاتحاد الأوروبي قد يؤدي إلى زيادة متطلبات الرقابة والتحاليل والاختبارات على المنتجات الغذائية المستوردة. وهذا يعني أن الشركات التي لا تتابع هذه التحديثات بشكل مستمر قد تجد نفسها أمام متطلبات جديدة لم تكن ضمن حساباتها عند التصدير.
كما أن ما يعتبر اليوم مستوى مقبولًا من الملوثات قد لا يظل كذلك في المستقبل، فالعلم يتطور باستمرار، والحدود التنظيمية يتم تحديثها كلما ظهرت أدلة علمية جديدة حول تأثير هذه المواد على صحة الإنسان.
وتؤكد هذه النتائج حقيقة مهمة في عالم سلامة الغذاء، وهي أن المخاطر لا تقتصر على الميكروبات والبكتيريا فقط، بل تشمل أيضًا الملوثات الكيميائية التي قد تتواجد بمستويات منخفضة للغاية، لكنها تمثل خطرًا حقيقيًا على صحة المستهلك على المدى الطويل.
لذلك فإن مسؤولية المصنعين اليوم لم تعد تقتصر على إنتاج غذاء مطابق للمواصفات الحالية فقط، بل تمتد إلى بناء نظام فعال لرصد المخاطر الكيميائية الناشئة، ومراجعة مصادر المواد الخام والأعلاف والموردين، ومتابعة التغيرات المستمرة في الحدود التنظيمية والمتطلبات الدولية.
وبالنسبة للمصانع المصدرة، فإن تجاهل هذه التطورات قد يعني زيادة احتمالات رفض الشحنات أو فرض قيود إضافية أو الحاجة إلى إجراء تحاليل مكلفة بشكل عاجل، بينما تتيح المتابعة المبكرة الاستعداد للتغييرات قبل دخولها حيز التنفيذ.
إن المتخصص الحقيقي في الجودة وسلامة الغذاء لا ينتظر ظهور المشكلة، بل يبحث باستمرار عن المخاطر الجديدة والحدود التشريعية المحدثة ويعمل على دمجها ضمن برامج تقييم المخاطر وخطط سلامة الغذاء.
فما يُعتبر آمنًا اليوم قد لا يكون آمنًا غدًا، ولذلك فإن متابعة المستجدات العلمية والتشريعية العالمية أصبحت جزءًا أساسيًا من مسؤولية المصنعين والعاملين في مجال الجودة وسلامة الغذاء، وليس مجرد خيار إضافي.
ماذا سيحدث بعد ذلك؟
توجد بالفعل حدود قانونية لمستويات الدايوكسينات ومركبات PCB الشبيهة بالدايوكسين في الأغذية والأعلاف داخل الاتحاد الأوروبي.
ومن المتوقع أن تستخدم المفوضية الأوروبية والدول الأعضاء نتائج هذا التقييم الجديد عند مراجعة الحدود القصوى الحالية وتحديث الإرشادات الغذائية، بهدف تعزيز حماية المستهلكين وتقليل التعرض لهذه الملوثات الخطيرة.
كما تعمل EFSA حاليًا على دراسة متكاملة لتقييم الفوائد والمخاطر المرتبطة باستهلاك الأسماك، بحيث يتم موازنة الفوائد الغذائية المهمة للأسماك مع المخاطر المحتملة الناتجة عن التعرض للملوثات البيئية مثل الدايوكسينات ومركبات PCB الشبيهة بالدايوكسين، ومن المتوقع الانتهاء من هذه الدراسة بحلول نهاية عام 2027.
الخلاصة
يؤكد التقييم العلمي الجديد للهيئة الأوروبية لسلامة الغذاء أن الدايوكسينات ومركبات PCB الشبيهة بالدايوكسين ما زالت تمثل تحديًا مهمًا لسلامة الغذاء والصحة العامة. كما أن خفض الحد المقبول للتعرض الأسبوعي إلى 0.6 بيكوغرام لكل كيلوجرام من وزن الجسم يعكس تزايد القلق العلمي بشأن تأثيرات هذه الملوثات حتى عند المستويات المنخفضة للغاية.
وتبرز هذه النتائج أهمية استمرار برامج الرصد والتحكم في الملوثات الكيميائية داخل السلسلة الغذائية، مع تعزيز نظم سلامة الغذاء وتحديث تقييمات المخاطر بما يتوافق مع أحدث الأدلة العلمية، لضمان توفير غذاء آمن وحماية صحة المستهلكين.
اترك تعليقًا